الثورة السورية – وفاء الشركاوي
هل يكفي أن يبلغ الفتى سن البلوغ ليصبح مستعداً للزواج وتحمل مسؤولية أسرة؟ أم أن القدرة على الإنجاب تختلف عن القدرة على اتخاذ قرار مصيري وتحمل أعباء الحياة الزوجية؟
غالباً ما يُناقش الزواج المبكر من زاوية الفتيات، فيما تحظى تجربة الفتيان بحضور أقل في النقاش العام، رغم دخول بعضهم الحياة الزوجية قبل بلوغ الثامنة عشرة، وانتقالهم في سن مبكرة من مرحلة المراهقة إلى دور الزوج، وربما الأب والمعيل.
وقد يُنظر إلى الزواج في هذه المرحلة العمرية على أنه دليل على النضج والقدرة على تحمل المسؤولية، إلا أن التجربة تطرح تساؤلات حول استعداد الفتى نفسياً واجتماعياً ومادياً لهذه الخطوة، وانعكاسها على تعليمه ومستقبله واستقراره النفسي، إلى جانب تأثير الأسرة والبيئة الاجتماعية في قرار قد تفوق تبعاته قدراته في هذه السن.
لا يعني بلوغ الفتى مرحلة النضج الجسدي أنه أصبح بالضرورة مستعداً لتحمل مسؤوليات الزواج، وفق الأخصائية النفسية آمنة الإسماعيل، التي توضح في حديث خاص لـ«الثورة السورية» أن النضج الجسدي المرتبط بالبلوغ والقدرة على الإنجاب يختلف عن النضج النفسي والاجتماعي.
ويرتبط النضج النفسي، بحسب الإسماعيل، بقدرة الفرد على تنظيم عواطفه وتحمل الإحباط واتخاذ قرارات بعيدة المدى، فيما يحتاج النضج الاجتماعي إلى الخبرة والقدرة على التعامل مع تبعات القرارات والمسؤوليات المختلفة.
وقد يضع الانتقال المفاجئ من المراهقة إلى دور الزوج أو الأب الفتى أمام أدوار متضاربة؛ ففي الوقت الذي لا يزال فيه بحاجة إلى التوجيه والرعاية، يُطلب منه أن يكون معيلاً وراعياً وقادراً على إدارة أسرة.
وتلفت الإسماعيل إلى أن هذا الانتقال قد يحرم الفتى من جزء من مرحلة تشكيل الذات واكتشاف الهوية وبناء المستقبل، وقد ترافقه ضغوط نفسية وقلق واكتئاب ونوبات غضب وشعور مبكر بالفشل، ولا سيما عندما يقارن نفسه بأقرانه الذين يعيشون مرحلة عمرية مختلفة.
أيضاً قد ينعكس ضغط تحمل مسؤوليات أسرة كاملة على استقرار العلاقة الزوجية نفسها، خصوصاً إذا كان الطرفان في سن صغيرة ولا يمتلكان الخبرة الكافية للتعامل مع الخلافات والضغوط.
وتؤدي الأسرة والبيئة الاجتماعية، وفق الإسماعيل، دوراً في دفع بعض الفتيان نحو الزواج، ولا سيما عندما يرتبط الزواج والإنجاب بمفهوم الرجولة، فيتحول الزواج لدى بعضهم إلى وسيلة لإثبات الذات والحصول على الاعتراف الاجتماعي.
وفي ظل هذه النظرة، قد يخشى الفتى وصفه بالضعف أو عدم الرجولة إذا رفض الزواج، فيوافق عليه رغم عدم رغبته أو استعداده، في وقت تغيب فيه أحياناً نماذج اجتماعية تشجع الشاب على تأجيل هذه الخطوة لاستكمال تعليمه وبناء مستقبله وتحقيق قدر من الاستقرار النفسي والاقتصادي.
وتزداد صعوبة التجربة إذا فشل الزواج أو انتهى بالطلاق، إذ قد يواجه الفتى في هذه السن فقدان الثقة بالنفس والشعور بالفشل والعزلة، مع آثار محتملة في تعليمه ومستقبله وعلاقاته اللاحقة، بحسب المختصة.
ويرى الباحث في شؤون الأسرة والشباب عبد الله محمد عنكير، في تصريح خاص لـ«الثورة السورية»، أن المسألة تتطلب التفريق بين صحة العقد وأهلية الفتى ومصلحة الزواج وقدرته على أداء حقوق الزوجة والأسرة.
فالاستطاعة في الزواج، وفق عنكير، لا تقتصر على القدرة الجسدية، وتشمل القدرة النفسية والعقلية، بما فيها فهم معنى الزواج وضبط الانفعالات والتعامل مع الخلافات، إلى جانب القدرة المادية وتحمل المسؤولية، والقدرة الاجتماعية والأخلاقية على حسن المعاشرة وصيانة الحقوق.
وعليه، لا يعني بلوغ الفتى جسدياً امتلاكه جميع القدرات اللازمة لبناء أسرة وتحمل تبعاتها.
وقد يتعارض تزويج فتى غير قادر على تحمل مسؤوليات الزواج مع مقاصد الشريعة إذا ترتب عليه ضرر أو ضياع لحقوق الزوجة أو عجز عن النفقة أو تحمل تبعات الأسرة، وفق عنكير، الذي يستند في ذلك إلى قاعدة «لا ضرر ولا ضرار».
ومن هذا المنطلق، يفرق عنكير بين الحكم على أصل عقد الزواج في كتب الفقه والحكم على تزويج شخص معين في ظروف محددة؛ فقد يستوفي العقد شروط الصحة من الناحية الفقهية، في حين لا يكون الإقدام عليه مناسباً في حالة معينة إذا ترتب عليه ضرر معتبر.
ويرى الباحث ضرورة مراعاة اختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية عن تلك التي سادت في المجتمعات القديمة، إذ يحتاج الشاب اليوم، في كثير من الحالات، إلى سنوات من التعليم والتأهيل والعمل قبل أن يصبح قادراً على تأمين النفقة والسكن وإدارة الأسرة والتعامل مع الزوجة وتربية الأبناء وتحمل المسؤوليات الاجتماعية والقانونية.
ومن هذا المنطلق، لا يرى الباحث في وجود حالات تاريخية لزواج صغار السن مبرراً لتكرارها في الوقت الحالي، كما لا يصح إسقاط الحكم الشرعي بسبب تغير العادات، وينبغي النظر في تحقق المصلحة وانتفاء الضرر وقدرة الشخص على أداء الحقوق والواجبات.
وتشمل الضوابط التي ينبغي مراعاتها عند تزويج فتى صغير، وفق الباحث، وجود مصلحة حقيقية، وتوافر القدرة البدنية والنفسية والمادية، وانتفاء الضرر، وتحقق الرضا، وحماية حقوق الزوجة، ومراعاة القوانين والأنظمة.
وإذا كانت الأهلية والاستعداد والمصلحة عوامل أساسية في الزواج، فماذا يقول القانون السوري عن زواج الفتى قبل بلوغه الثامنة عشرة؟
يوضح المحامي الدكتور مسلم اليوسف لـ«الثورة السورية» أن الأصل في التشريع السوري، بعد تعديلات عام 2019، أن يكون سن الزواج 18 عاماً للرجل والمرأة، مع وجود استثناء قضائي يسمح بالزواج قبل هذه السن في حالات محددة.
ويمكن للقاضي، بحسب اليوسف، أن يأذن بالزواج لمن بلغ 15 عاماً على الأقل عند توافر الشروط التي حددها القانون، لافتاً إلى ضرورة التفريق بين السن القانونية الأصلية والاستثناء القضائي، حتى لا يتحول الاستثناء إلى قاعدة اجتماعية.
ولا يعد دور القاضي في هذه الحالات شكلياً، إذ يفترض أن يتحقق من عمر الفتى وتوافر الشروط القانونية، وقدرته الجسمية، ومدى إدراكه لمعنى الزواج وحقوقه وواجباته، ورضاه الحقيقي ومصلحته، ومدى ملاءمة الزواج لظروفه الاجتماعية والاقتصادية، وقدرة الطرفين على تحمل مسؤوليات الحياة الزوجية.
وتبرز هنا، وفق اليوسف، إشكالية تتعلق بالقدرة الجسدية، إذ ينبغي، من منظور حمائي، أن يشمل تقييم أهلية الفتى النضج العقلي، والاستعداد النفسي للحياة الزوجية، والقدرة الاقتصادية على تحمل مسؤولية الأسرة، وإدراك الآثار القانونية المترتبة على الزواج.
ولا يعني زواج الفتى أنه أصبح راشداً في جميع المجالات القانونية، إذ يفرق اليوسف بين أهلية الزواج والأهلية المدنية والمالية والإجرائية الكاملة.
وفي حال انعقاد الزواج بصورة صحيحة وثبوته قانوناً، يدخل الفتى في مركز قانوني جديد بصفته زوجاً، وتترتب عليه التزامات مالية وأسرية، من بينها المهر والمسكن والنفقة، ولا تسقط هذه الالتزامات لكونه كان دون الثامنة عشرة عند انعقاد الزواج.
وتتسع دائرة المسؤوليات في حال الإنجاب، إذ يصبح الفتى أباً وتترتب عليه التزامات تجاه أطفاله، في مقدمتها النفقة والرعاية وما يرتبط بالأبوة من حقوق وواجبات.
ويلفت اليوسف إلى إشكالية أخرى تتمثل في إمكانية أن يكون الأب نفسه دون الثامنة عشرة، وفي الوقت ذاته صاحب ولاية على طفل قاصر، ما يثير تساؤلات عملية حول قدرته على ممارسة الولاية وإدارة أموال الطفل واتخاذ القرارات المتعلقة بتعليمه ورعايته وعلاجه.
كما لا تنتهي المسؤوليات بانتهاء الزواج، إذ قد تترتب على الطلاق أو التفريق آثار قانونية ومالية أخرى بحسب كل حالة، ما يضع الفتى أمام التزامات قد تستمر سنوات بعد انتهاء العلاقة الزوجية.
أما الزواج المعقود خارج المحكمة، فينظم القانون، وفق اليوسف، إجراءات تثبيته وتسجيله، في حين قد يؤدي عدم التسجيل الرسمي إلى تعقيدات في إثبات الحقوق والآثار القانونية، ما يجعل التوثيق الرسمي أساسياً لحماية أطراف العلاقة الزوجية والأطفال.
ويرى اليوسف أن التشريع السوري، رغم تحديد سن أهلية الزواج بـ18 عاماً كأصل عام، يحتاج إلى مزيد من التطوير في حماية الفتى الذي يتزوج قبل هذه السن، إذ تركز الضمانات الحالية بدرجة كبيرة على تحقق شروط الدخول في الزواج، فيما تحتاج الحماية إلى توسيع نطاقها ليشمل النضج النفسي والاجتماعي، والقدرة الاقتصادية، والإرادة الحرة، والحماية من الإكراه أو الاستغلال.