الثورة السورية – ميساء العلي
تأتي مذكرة التفاهم بين سوق دمشق للأوراق المالية (البورصة) وسوق أبوظبي للأوراق المالية في وقت تسعى فيه السوق السورية إلى تطوير بنيتها المؤسسية ورفع كفاءة التداول والإفصاح والتسوية، فيما يفتح التعاون مع سوق أبوظبي المجال أمام تبادل الخبرات وتطوير أدوات العمل المالي، وسط تساؤلات حول قدرة هذه الخطوة على الانتقال من إطار التعاون إلى نتائج ملموسة تنعكس على السيولة والإدراجات وتوسيع قاعدة المستثمرين.
ووقّعت بورصتا دمشق وأبوظبي، الثلاثاء، مذكرة تفاهم ضمن فعاليات المؤتمر السنوي لاتحاد أسواق المال العربية 2026، المنعقد في العاصمة الإماراتية أبوظبي، بهدف تعزيز التعاون وتسهيل تبادل المعلومات والخبرات بين الجانبين لتطوير صناعة الخدمات المالية في سوريا والإمارات.
وحضر التوقيع عن الجانب السوري وزير المالية محمد يسر برنية، والمدير التنفيذي لسوق دمشق للأوراق المالية باسل أسعد، فيما حضر عن الجانب الإماراتي الرئيس التنفيذي لمجموعة سوق أبوظبي للأوراق المالية عبدالله سالم النعيمي.
وتتضمن المذكرة مجالات عدة للتعاون، منها استكشاف وتقييم الإدراج المزدوج وتسهيل التداول، وربط عمليات الإيداع المركزي، وتبادل البيانات التقنية والدراسات بين السوقين، إضافة إلى تدريب الموظفين وتنظيم مبادرات توعية المستثمرين.
وأكد برنية أهمية المذكرة في إطار استراتيجية تعزيز التعاون وتطوير الخدمات المالية، باعتبارها خطوة تسهم في تنمية جسور التعاون بين البلدين، بما ينعكس على بيئة الاستثمار.
وأشار إلى أن الدولة السورية عازمة على تطوير قطاع الأوراق والأسواق المالية لتوفير موارد لتمويل القطاع الخاص وجذب الاستثمارات وتمويل مشاريع التنمية، موضحاً أن هذا التعاون سيساعد في نقل المعرفة والتقنيات التي تدعم هذه الجهود، مع التأكيد على الحرص على توسيع فرص التعاون مع أسواق وبورصات عربية وعالمية.
وجاء ذلك خلال المؤتمر السنوي لاتحاد أسواق المال العربية 2026، الذي استضافته سوق أبوظبي للأوراق المالية يومي 29 و30 أيلول الجاري، بمشاركة أكثر من 600 مشارك و50 متحدثاً، بينهم رؤساء تنفيذيون وقيادات عليا يمثلون أكثر من 25 بورصة ومؤسسة، وممثلون عن الجهات التنظيمية وصناع السياسات والمستثمرين المؤسسيين والشركات المدرجة والبنوك الاستثمارية ومزودي البنية التحتية للأسواق.
وناقش المؤتمر تحديث أسواق رأس المال والتحول الرقمي والربط بين الأسواق وتطوير البنية التحتية للأسواق المالية، إلى جانب تداول الطاقة وصناعة السوق والمشتقات وصناديق المؤشرات المتداولة ETFs، وتأثير تقييمات الذكاء الاصطناعي على الأسواق.
ورأى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أن قيمة المذكرة ترتبط بقدرة دمشق على تحويلها إلى سيولة وإدراجات وإفصاح أفضل، موضحاً أن «تطوير سوق دمشق بخبرة أبوظبي» يمكن تحقيقه سريعاً، فيما يتطلب «ربط السوقين» منظومة مصرفية وتنظيمية لم تكتمل بعد.
وقال عبد الكريم لصحيفة «الثورة السورية» إن المذكرة توفر مساراً منظماً لبحث التعاون والعمل على مبادرات لتطوير الأسواق وتوسيع التداول عبر الحدود وتعزيز وصول المستثمرين، مع دراسة الانضمام إلى منصة «تبادُل»، فيما لم يُنشر نص المذكرة ولم تُعلن مدتها أو جدولها الزمني. وأوضح أن مذكرة التفاهم بطبيعتها إطار يحدد مجالات التعاون، فيما يتطلب ضخ الأموال أو فتح التداول المشترك ترتيبات تنفيذية أخرى.
وذكر عبد الكريم أن الفكرة تعود إلى تشرين الأول 2007، حين وقّعت السوقان مذكرة تضمنت التزام أبوظبي بتقديم الاستشارات والتدريب، واتفق الطرفان على تبادل بيانات التداول وتسهيل الإدراج المتبادل والتعاون بين الوسطاء، فيما لم يتحقق الإدراج المتبادل منذ ذلك الحين. وأوضح أن الجديد اليوم يتمثل في وجود قناة تقنية جاهزة، هي منصة «تبادُل» التي أطلقتها أبوظبي عام 2022 لتمكين شركات الوساطة من الوصول إلى الأسواق الأعضاء عن بُعد.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الأرقام تكشف حجم الفجوة، إذ تضم سوق دمشق 27 جهة مُصدرة بقيمة سوقية تقارب 2.1 مليار دولار، مقابل نحو 771 مليار دولار لسوق أبوظبي، بمتوسط تداول يومي يقارب 381 مليون دولار. أما الفجوة في السيولة، أي القدرة على البيع والشراء بسهولة دون تحريك السعر بحدة، فتبدو أعمق من فجوة الحجم، إذ بلغ متوسط تداول الجلسة في دمشق نحو 21.1 مليون ليرة جديدة خلال النصف الأول من 2026، أي قرابة 190 ألف دولار، ما يعني أن يوماً واحداً في أبوظبي يعادل تداول نحو ألفي جلسة في دمشق.
واعتبر عبد الكريم أن المكسب الحقيقي يتمثل في نقل البنية المؤسسية، عبر ثلاثة مستويات؛ الأول تحديث سلسلة ما بعد التداول، إذ يمثل التداول تنفيذ الصفقة، فيما تحدد المقاصة التزامات كل طرف، وتمثل التسوية الانتقال الفعلي للأسهم والأموال. والثاني رفع معايير الإفصاح والحوكمة، لأن المستثمر يحتاج إلى الثقة بالمعلومات لاتخاذ قراره، فيما تبدأ السيولة من الثقة. أما المستوى الثالث، فيتمثل في تدريب الوسطاء والكوادر في مجالات الرقابة والامتثال.
وحول إمكانية أن تسهم المذكرة في جذب أموال إماراتية، أوضح عبد الكريم أن ذلك يرتبط بتوافر متطلبات عدة، إذ يتطلب شراء مستثمر في أبوظبي لسهم سوري إطاراً قانونياً للمستثمر الأجنبي، وإجراءات «اعرف عميلك» للتحقق من هويته ومصدر أمواله، وبنوكاً مراسلة لتنفيذ التحويلات، وحفظاً أميناً للأوراق المالية، وضماناً لإخراج الأرباح ورأس المال.
وأضاف عبد الكريم أن إلغاء قانون قيصر بالكامل ورفع العقوبات يفتحان المجال أمام عودة المصارف السورية إلى الشبكات المالية العالمية، إلا أن ذلك يرتبط باستيفاء متطلبات الامتثال واستعادة العلاقات مع البنوك المراسلة.
وأوضح أن الربط التقني يمثل جانباً من العملية، فيما تتطلب حركة الأموال ترتيبات مصرفية ومالية متكاملة، كما أن دخول المستثمر إلى السوق يحتاج إلى إطار يتيح له الوصول إليها ويعزز ثقته بها. وللسبب نفسه، يبقى الإدراج المزدوج، أي إدراج أسهم الشركة نفسها في سوقين، هدفاً يتطلب توافقاً في القوانين والعملة والتسوية.
بالمقابل، وعلى المدى الأطول، رأى عبد الكريم أن سوقاً أقوى يمكن أن تمنح الشركات السورية بديلاً عن الاقتراض عبر الاكتتابات العامة، فالقرض دين يُسدد بفائدة، بينما الأسهم رأس مال مقابل حصة في الملكية، فيما تظل قدرة البورصة على تمويل إعادة الإعمار مرتبطة بحجم السوق وتطورها. ويرى أن أي ارتفاع في الأسعار بعد الخبر قد يعكس مزاجاً مؤقتاً في السوق، ولا يشكل بالضرورة مؤشراً على تحسن أرباح الشركات.
وشدد على أن المعيار بعد عام يجب أن يتمثل في عدد الشركات المدرجة والسيولة وجودة الإفصاح وعدد المستثمرين، ومدى سهولة الوصول إلى سوق دمشق وأمانه، معتبراً أن بقاء هذه المؤشرات دون تغير سيجعل مذكرة 2026 أقرب إلى قيمة دبلوماسية منها إلى أثر اقتصادي.
بدوره، رأى المحلل المالي أنس حسن، أن هذه المذكرة تأتي في توقيت مهم بالنسبة لسوق دمشق للأوراق المالية، التي تشهد مرحلة إعادة تنظيم وتطوير لبنيتها وآليات عملها.
وتشير بيانات اتحاد أسواق المال العربية إلى أن القيمة السوقية لسوق دمشق بلغت نحو 2.11 مليار دولار في أواخر أيلول 2026، وفق سعر الصرف الرسمي المستخدم في احتساب البيانات، ما يعكس وجود قاعدة سوقية يمكن البناء عليها وتوسيعها خلال المرحلة المقبلة.
وقال حسن لصحيفة «الثورة السورية» إن التعاون مع سوق أبوظبي يتيح الاستفادة من الخبرة المتراكمة لدى سوق متطورة في مجالات متعددة، من بينها البنية التحتية للتداول، والإفصاح والحوكمة، وتطوير المنتجات المالية، والتقنيات الرقمية، وآليات إدارة المخاطر.
وشهدت سوق أبوظبي خلال السنوات الأخيرة توسعاً في بنيتها ومنتجاتها المالية، كما عملت على تطوير البنية التحتية وتعزيز الربط والتعاون مع أسواق إقليمية أخرى. وفي عام 2025، أعلنت السوق عن تطوير محرك التداول وزيادة كفاءة البنية التكنولوجية، إلى جانب إطلاق منتجات وأدوات مالية جديدة وتعزيز الشراكات مع أسواق أخرى.
وبناءً على ذلك، أوضح المحلل المالي أن مذكرة التفاهم يمكن أن تشكل إطاراً عملياً لتبادل المعرفة وتطوير الكوادر والخبرات السورية، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالتداول الإلكتروني، والإدراج والإفصاح، والرقابة على السوق، والمقاصة والتسوية، وحماية المستثمرين، كما تكتسب أهمية إضافية لكونها تأتي ضمن مؤتمر اتحاد أسواق المال العربية، الذي يجمع إدارات البورصات ومؤسسات المقاصة والجهات التنظيمية والمؤسسات المالية العربية.
وبحسب حسن، يوفر هذا التعاون إطاراً مؤسسياً يمكن أن يمهد لاحقاً لمشروعات أكثر تقدماً، مثل تسهيل الوصول إلى المعلومات، وتطوير قنوات التعاون بين شركات الوساطة، واستكشاف فرص الإدراج المشترك، وربط الأنظمة أو الخدمات المالية عندما تسمح الأطر التنظيمية والتقنية بذلك.
وأضاف أن أهمية تطوير سوق دمشق للأوراق المالية تتجاوز التداول على الأسهم، إذ يمكن لسوق رأس المال، في حال توفرت البيئة التشريعية والاقتصادية المناسبة، أن يؤدي دوراً في تعبئة المدخرات وتحويلها إلى استثمارات منتجة، وتوفير مصادر تمويل بديلة للشركات، وتوسيع قاعدة المستثمرين.
وحول أهمية المذكرة بالنسبة للمستثمر، اعتبر حسن أن قيمتها الاقتصادية ترتبط بما ينتج عنها من إجراءات عملية، وفي مقدمتها تحويل التعاون المؤسسي إلى برامج واضحة للتدريب وتبادل البيانات والخبرات، وتطوير التكنولوجيا، ورفع معايير الإفصاح والحوكمة، وتحسين كفاءة التداول والتسوية. كما أن زيادة التعاون مع الأسواق العربية يمكن أن تساعد في تعريف المستثمرين والمؤسسات المالية الإقليمية بفرص الاستثمار في السوق السورية، شرط استمرار تطوير البيئة القانونية والتنظيمية وتعزيز الشفافية والاستقرار وحماية حقوق المساهمين.