يبدأ ترميم أحد المتاجر بحجر عُثر عليه بين الأنقاض في سوق قديم بحلب، تسبقه رحلة بحث في صورة التقطت قبل سنوات لمعرفة شكل قوس حجري اختفى أو ارتفاع سقف لم يبق منه الكثير.أما في دمشق القديمة، فلا تبدو المسألة مختلفة، بيت يحتاج أصحابه إلى خدمات تناسب حياتهم اليوم، سوق تتغير وظيفته، وبنية تحتية قديمة تحتاج إلى تحديث، حيث يبقى المطلوب ألا تفقد المدينة ملامح عمارتها تحت ضغط هذه الاحتياجات.
بين المدينتين تظهر واحدة من أصعب قضايا التعامل مع المدن التاريخية، فالحفاظ عليها لا يعني وقف الزمن عند لحظة سابقة، وفي المقابل لا يمكن التعامل معها كأي مدينة حديثة قابلة للتغيير من دون حدود، فالبيت والسوق والزقاق ومواد البناء والحرفة التي قامت فيها لسنوات، وحتى طريقة استخدام السكان للمكان، تشكل معاً ذاكرة يصعب فصل العمارة عنها.
وتكتسب المسألة أهمية أكبر في مدينتين مدرجتين على قائمة التراث العالمي لليونسكو، دمشق القديمة منذ عام 1979، وحلب القديمة منذ عام 1986، فيما لا تزال المدينتان مدرجتين على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر.
يرى مدير دمشق القديمة ومعاون محافظ دمشق للدائرة الثالثة الدكتور أمجد الفرخ، أن البحث في كيفية مواكبة المدينة لاحتياجات سكانها يجب أن يسبقه فهم واقعها الحالي، فدمشق عاشت استمرارية عمرانية واجتماعية طويلة، وتعاقبت عليها أنماط مختلفة من الاستخدام والحياة دون انقطاع حقيقي في نسيجها الحضري.ويوضح في حديثه لـ “الثورة السورية”: إن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم يتعلق بالوظيفة التي نريدها لدمشق القديمة مستقبلاً، فهل تكون مدينة يغلب عليها النشاط السياحي، أم التجاري، أم تبقى ذات وظيفة سكنية واجتماعية، أم تجمع هذه الوظائف ضمن توازن مدروس؟
ويشير إلى أن المدينة خلال العقود الماضية لم تخضع دائماً لتطور حضري مخطط، وعاشت ما يصفه بـ “التأقلم غير المخطط”، إذ كانت تستجيب للظروف والاحتياجات الجديدة كلما ظهرت من دون رؤية بعيدة المدى تضبط اتجاه التغيير.
وانعكس ذلك على المدينة بأشكال مختلفة، ففي مراحل غلبت الوظيفة السكنية والاجتماعية على البيوت والأزقة وطريقة استخدام الغرف، ثم اتسع النشاط التجاري والمستودعات والاستخدامات المرتبطة بالأسواق، وفي فترات لاحقة ازداد حضور المقاهي والمطاعم والأنشطة السياحية والترفيهية.لذلك يربط الفرخ أي تحديث حقيقي بتحديد صورة المدينة التي نريد الوصول إليها خلال خمس أو عشر سنوات، ويرى أن قيمتها العالمية الاستثنائية يجب أن تبقى أساس أي تصور جديد، بالتزامن مع تحديد وظيفتها الاجتماعية والاقتصادية والسياحية.ويطرح في هذا السياق الحاجة إلى خطة رئيسية للتعافي Recovery Master Plan وتبدأ بمعالجة الواقع وتحديد الأولويات، وتقود لاحقاً إلى خطة متكاملة لإدارة دمشق القديمة وتطورها، فإدخال الخدمات الحديثة وفق الفرخ، يأتي نتيجة تصور يحدد أولاً ما الذي يجب الحفاظ عليه وكيف ستعيش المدينة في المستقبل؟.ويؤكد أن أعمال الترميم والتأهيل اليوم تخضع لضابطة البناء الخاصة بالمدينة القديمة وقانون الآثار السوري، إلى جانب الاشتراطات المرتبطة بحماية هويتها التاريخية، لكن التطبيق يضع في بعض الأحيان طرفي المعادلة في مواجهة بعضهما، حماية القيمة التراثية للمبنى، وإبقاؤه صالحاً للاستخدام وقادراً على الاستمرار.ويوضح أن شدة بعض القيود وتعقيد الإجراءات قد يدفعان أصحاب عقارات إلى الإحجام عن الترميم، لتبقى أبنية معرضة لمزيد من التدهور، ومن هنا يرى ضرورة إعادة دراسة ضوابط البناء والترميم والاشتراطات التراثية والآثارية، وتحديد العناصر التي تمثل جوهر هوية المدينة ولا يمكن التفريط بها، مقابل هامش مدروس يسمح بصيانة الأبنية واستخدامها.ولا تعني المرونة، بحسب الفرخ، تخفيف الحماية، وإنما جعلها قابلة للتطبيق، فالضابط الناجح في رأيه هو الذي يحمي هوية المدينة وفي الوقت نفسه لا يجعل صيانة المبنى التاريخي أمراً بالغ الصعوبة.وعن المشكلة في طبيعة ملكية الأبنية نفسها، يضع الفرخ “تشظي الملكية” بين أبرز التحديات، إذ انتقلت عقارات تاريخية عبر أجيال إلى أعداد كبيرة من الورثة، وقد يكون الشاغل غير المالك، أو يوجد مالكون كثر لعقار واحد، وفي حالات أخرى يبقى العقار شاغراً رغم تعدد أصحابه، ويجعل ذلك الاتفاق على الترميم أكثر تعقيداً ويؤخر أعمال الصيانة.وتضاف إلى ذلك تكلفة الترميم التقليدي وندرة بعض المواد والحرفيين المتخصصين، ما قد يدفع إلى استخدام بدائل حديثة أقل تكلفة لا تنسجم دائماً مع خصائص البناء.
كما يشير إلى غياب موارد مالية مستدامة وكافية لدعم ترميم الأبنية التاريخية، وإلى مشكلة البنية التحتية القديمة، إذ يمكن لتسربات المياه والرطوبة والهبوطات الناتجة عنها أن تصبح خطراً على المبنى نفسه، لا مشكلة خدمية فقط.وتتقاطع هذه الرؤية مع أحدث ما طلبته لجنة التراث العالمي بشأن دمشق، إذ دعت في قرارها لعام 2026 إلى تحليل النسيج العمراني والديناميات الاجتماعية والاقتصادية، ومراجعة الإطار القانوني والإداري، وإعداد خطط للحفاظ والإدارة والسياحة المستدامة وإدارة مخاطر الكوارث، إلى جانب تشجيع مشاركة أصحاب الأبنية التاريخية في عمليات التأهيل.
إذا كانت دمشق القديمة تواجه سؤال إدارة التغيير، وهي مدينة لا تزال مأهولة وتعيش ضغوط الحياة اليومية، فكيف الحال في أجزاء من حلب القديمة حيث فرض حجم الضرر الذي خلفه قصف النظام المخلوع فيها تساؤلاً يتعلق بماذا نفعل عندما يختفي جزء من المبنى نفسه؟ وكيف نعرف ما الذي كان موجوداً قبل أن يختفي؟المهندسة المعمارية فاطمة خولندي، من صندوق الآغا خان للثقافة، تضع التوثيق والبحث في مقدمة عملية الترميم، وتوضح في حديثها لـ “الثورة السورية” أن العمل يبدأ قبل التنفيذ بوقت طويل، من دراسة الوضع القائم وتقييم الأضرار وتوثيق التفاصيل المعمارية، وصولاً أحياناً إلى تسجيل حالة الأحجار والعناصر الموجودة واحداً واحداً.
وفي المواقع المتضررة، يجري فرز الأنقاض والحجارة قبل بدء أعمال الترميم، وتقول خولندي: إن الفريق يحاول إعادة استخدام الحجر القديم الموجود في الموقع قدر الإمكان، فإذا كان الحجر عنصراً معمارياً مميزاً ويمكن إعادته إلى موضعه يُحافظ عليه، وقد يستخدم الحجر الصالح في البناء مجدداً، بينما تدخل القطع الأكثر تضرراً، عندما تسمح حالتها، في الاستخدامات الداخلية المناسبة لطبيعتها.
هذا بالنسبة للعناية بالحجر، أما قبل رسم الشكل المقترح للمبنى فيبدأ بحث يمتد فترة طويلة في المخططات والصور القديمة والدراسات الجامعية والأرشيف، إضافة إلى الصور الملتقطة قبل الثورة وأثناءها، مع العودة إلى أصحاب الأبنية لمعرفة تفاصيل المكان واستخداماته السابقة.
وتشرح خولندي أن شهادات أصحاب الأبنية مهمة، لكنها لا تعتمد منفردة مرجعاً لإعادة البناء، وإنما تقارن بالصور والمخططات والقرائن الباقية في الموقع، ففي بعض الحالات قد تقود بداية حجر في قوس أو جزء باقٍ من عنصر معماري إلى فهم شكل الجزء المفقود واستكمال الدراسة حوله.
وكان سوق “المحمص” في حلب من الأمثلة الصعبة التي عمل عليها فريق الأغا خان، بحسب خولندي، إذ تجاوزت نسبة الدمار فيه 80 في المئة، ويضم موقعه عدداً من نقاط الاتصال بين الأسواق وعناصر معمارية مختلفة، وهنا تحولت الصور القديمة إلى مصدر أساسي للمعلومة، إلى جانب مقاطع مصورة تعود إلى سنوات الثورة ودراسات سابقة، وحتى تصوير بانورامي قديم للمنطقة عثر عليه الفريق خلال البحث.
وتقول خولندي: إن مرحلة البحث التاريخي قد لا تكون ظاهرة للناس بعد اكتمال المشروع، لكنها من أهم مراحل العمل، لأنها تسبق وضع مقترحات إعادة البناء وتساعد على الاقتراب قدر الإمكان من شكل المكان قبل الضرر.
وتؤدي التقنيات الحديثة دوراً في هذه العملية أيضاً، فالتوثيق باستخدام المسح وأدوات التصوير المساحي “الفوتوغرامتري”، يسمح بإنتاج مخططات أكثر دقة، بينما يمكن الاستفادة من مواد حديثة في العزل والبنية التحتية ومعالجة بعض العناصر، شرط اختيار موضع استخدامها ووظيفتها.
وترفض خولندي النظر إلى استخدام المادة الحديثة على أنه نقيضاً للأصالة، فالمعيار هو طريقة استخدامها، ويمكن، على سبيل المثال، تحديث شبكات الصرف أو استخدام مواد عزل ذات ديمومة أعلى، بالتزامن مع الاعتماد على مواد تقليدية متوافقة مع المبنى في المواضع التي تتطلب ذلك، ومنها المونة الكلسية والمواد الطبيعية المستخدمة للحصول على خصائص وألوان قريبة من البناء الأصلي.
والغاية في النهاية، كما تقول، ألا يبدو المبنى وكأنه شُيّد حديثاً، وأن يبقى قادراً في الوقت نفسه على الصمود والاستخدام مستقبلاً.وتنسجم أهمية الحفاظ على النسيج الأصلي مع التوجهات التي أكدت عليها لجنة التراث العالمي في متابعتها لحلب، ومنها تثبيت العناصر الأصلية والتفاصيل المعمارية حيث يكون ذلك ممكناً، واستخدام حجر متوافق في أعمال الإصلاح وإعادة البناء، كما أشارت اللجنة في 2026 إلى أهمية التوثيق المنهجي عند التعامل مع إعادة بناء العناصر المتضررة.
وترى خولندي أن أخطاء الترميم يمكن أن تبدأ منذ الدراسة إذا عومل المبنى بصورة منفصلة عن محيطه، أو إذا لم يجرٍ البحث في الأرشيف والمخططات والصور والقرائن الموجودة في الموقع.
فالمحل في السوق، على سبيل المثال، يرتبط بالمحل السابق واللاحق وبمدخل السوق وشكل الممر والسقف، ولا يمكن فرض قياسات موحدة على جميع المحال وكأنها متطابقة.
حتى طريقة معالجة سطح الحجر تدخل في التفاصيل التي يدرسها الفريق، بحسب خولندي، إذ يجري النظر في أسلوب النحت اليدوي القديم واتجاهه وحجمه، وكذلك في طريقة بناء الأسقف العقدية وترتيب أحجارها وتوزيع الأحمال فيها.
وتوضح أن لكل سوق خصوصيته في الأرضيات والأبواب وفتحات المحال والأسقف والقباب والعناصر التي بقيت منه، لذلك لا يمكن نقل حل جاهز من مشروع إلى آخر.
وتشير إلى أن زلزال عام 2023 أضاف جانباً آخر إلى الخبرة المتراكمة، ودفع إلى تعزيز بعض نقاط الربط في العناصر الحجرية أثناء أعمال البناء والترميم بوسائل مدروسة تزيد من متانتها، مع الحفاظ على الطابع التاريخي للموقع.
ماذا يبقى من نجاح الترميم إذا عاد المبنى واختفى الناس الذين صنعوا حياته؟ هنا يلتقي حديث كل من الفرخ وخولندي بشكل واضح، ففي دمشق، يرى الفرخ أن الحديث عن ذاكرة المدينة لا يقود إلى ذاكرة واحدة، فهناك ذاكرة المقيم التي ترتبط بالبيت الدمشقي وطبيعة السكن والعلاقات الأسرية والجيرة واستخدام الفراغات الداخلية، وهناك ذاكرة الزائر التي قد تتشكل من زقاق أو واجهة أو سوق أو مشهد عمراني.وإلى جانبهما توجد ذاكرة الأسواق نفسها، المرتبطة بحركة البيع والحرف والبضائع وإيقاع الحياة اليومية، وذاكرة أخرى لدى الباحثين والمثقفين والأكاديميين ترتبط بالقيمة التاريخية والاجتماعية للمدينة.لذلك يوضح الفرخ، أن الحفاظ على دمشق القديمة يجب أن يشمل المكان والوظيفة والناس وأنماط الاستخدام، لأن حماية المبنى مع خسارة الحياة التي منحته معناه تعني الحفاظ على جزء واحد من المدينة.وفي حلب تظهر الفكرة نفسها بعد الترميم بصورة يمكن رؤيتها في السوق، تقول خولندي: إن صندوق الآغا خان للثقافة يتابع عودة النشاط إلى الأسواق، ولا ينظر إلى إنجاز الأعمال الإنشائية كنهاية للمشروع، وتشير إلى عودة المحال للعمل في أسواق جرى تأهيلها، ومنها “السقطية وساحة الفستق والأحمدية والحبال”، كما عاد سوق “المحمص”، الذي انتهت أعماله عام 2025، إلى النشاط بعد حجم الدمار الكبير الذي أصابه.وتصف خولندي لقاء أصحاب المحال أثناء الدراسات الجديدة، وكيف يستعيدون مواقع جلوسهم ومحالهم ويسألون عن موعد ترميم الأسواق التي توجد فيها أملاكهم، وقد لا يعود النشاط التجاري نفسه أو المهنة ذاتها دائماً، لكن عودة أصحاب المحال وفتح المكان أمام الحركة من جديد يبقى جزءاً أساسياً من استعادة المدينة لذاكرتها، إذ ربطت خطط تأهيل السوق المركزي بين إصلاح البيئة المبنية وإعادة النشاط الاقتصادي والحياة إلى قلب المدينة القديمة.
وفي دمشق، لا تزال الصورة المستقبلية قيد التكوين، ويقول الفرخ: إن الجهود الحالية تركز على جمع بيانات أكثر دقة عن الأبنية والبنية التحتية والاستخدامات والسكان والحركة والأنشطة الاقتصادية، ويصف جانباً من الإجراءات المنفذة خلال الأشهر الستة الماضية بأنه استجابة إسعافية لمشكلات تراكمت على مدى سنوات، من الترميمات الطارئة ومشكلات البنية التحتية إلى التأهيل والنظافة وتحسين الخدمات.
ويقدر أن الوصول إلى قاعدة بيانات ودراسات قطاعية تسمح بإعداد خطة شاملة يحتاج إلى نحو 24 شهراً، على أن يكون الهدف الانتقال من معالجة المشكلة بعد ظهورها إلى إدارة تطور المدينة وفق تصور للسنوات المقبلة.
وفي حلب، تختصر خولندي ما يمكن أن تنقله التجربة إلى مدن سورية أخرى بالدقة في البحث والدراسة، والعمل الجماعي، والتعامل مع كل مشروع انطلاقاً من خصائصه، وليس من وصفة جاهزة للترميم، فالحفاظ على الهوية، كما تظهر التجربتان، لا يتوقف عند إعادة جدار أو قوس إلى مكانه، وإنما يبدأ بالسؤال عما يجعل هذا الجدار جزءاً من مدينة يعرفها أهلها، ويستمر بقدرة الناس على العودة إليه واستخدامه من جديد.
وبين دمشق القديمة التي تبحث عن صيغة لإدارة تغيرها، وحلب التي استعادت أجزاءً من أسواقها بعد دمار واسع، يبقى الحفاظ على ذاكرة المدينة مرتبطاً بما يحدث بعد انتهاء أعمال الترميم أيضاً.
فالقوس الذي يعود إلى مكانه يستعيد شكله، والسوق الذي يعود إليه أصحابه يستعيد شيئاً من حكايته، والبيت القديم يحتاج إلى أن يبقى صالحاً لمن يسكنه حتى تظل المدينة القديمة مدينة يعيش فيها الناس، لا صورة محفوظة لما كانت عليه.