الثورة السورية – سمر حمامة:
حين تضيق الحياة بمشكلاتها، يبحث الإنسان عن باب يفتح له طريقاً للخروج، ومع الأزمات الاقتصادية والمشكلات الأسرية والمرض والقلق، يجد بعض الأشخاص أنفسهم أمام إجابات سريعة يقدمها لهم المشعوذون والدجالون، إجابات تحمل وعوداً بالشفاء، وجلب الرزق، وحل الخلافات، وحتى تغيير المستقبل.
منذ زمن بعيد ارتبطت حياة البشر بقصص السحر والشعوذة والعرافة والتنجيم، وظهرت طقوس وممارسات تقوم على ادعاء معرفة الغيب أو التأثير في حياة الآخرين، ومع تطور العلوم وانتشار المعرفة تراجعت مكانة هذه الممارسات لدى شريحة واسعة من الناس، إلا أن الأزمات التي يعيشها المجتمع اليوم أعادت بعض هذه الممارسات إلى الواجهة.ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، انتقلت الشعوذة إلى مساحة أوسع، فأصبحت صفحات وحسابات تروج لخدمات، مثل فك السحر وجلب الحبيب وزيادة الرزق ومعالجة الأمراض، إلى جانب برامج تلفزيونية تستضيف أشخاصاً يدّعون القدرة على معرفة الخبايا وقراءة الطالع وتغيير الأوضاع.وفي ظل البطالة والمشكلات الأسرية والوظيفية والمرض، يبحث الإنسان أحياناً عن تفسير لما يعيشه، فتقدم له الشعوذة تفسيراً سريعاً يمنحه شعوراً بأنه فهم سبب المشكلة، ويدفعه إلى الاستمرار في طريق قد يكلفه المال ويؤثر في علاقاته وحياته اليومية.
تحدثت أية “للثورة السورية” عن تجربتها مع هذا العالم الوهمي، حيث تواصلت مع امرأة عن طريق أحد المعارف تقوم بكتابة بعض الطلاسم على أساس أنها عبارات تساعد على فك عقدة عدم الارتباط.كان التواصل مع تلك المرأة مقابل مبالغ مالية، لكن مرت الأيام والشهور دون أي فائدة، وعند السؤال عن الفترة الزمنية التي سيتحقق فيها الارتباط، وما هو سبب التأخير في تحول تلك الطلاسم إلى حقيقة، يكون الرد من قبل المشعوذة بأن هناك عملاً أو سحراً يحتاج إلى وقت وجهد من أجل إبطاله، على حد قولها.استمر دفع الأموال عند كل زيارة وتحت ذرائع مختلفة، إلى أن توصلت أية بعد سنة من التعامل مع تلك المرأة إلى نتيجة، مفادها أن المشعوذة تنصب عليها لسلبها أكبر قدر من المال، عندها قررت تركها والعودة إلى حياتها الطبيعية مع يقينها بأن الأقدار لا يستطيع البشر تغييرها.قصة أية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، فآثار هذه التجارب قد تمتد إلى القلق والخوف واستنزاف المال، ما يجعل الدعم النفسي والاجتماعي عاملاً مهماً في مساعدة المتضررين.
أما عماد فقصته مختلفة، حيث تعرض عمله في التجارة إلى خسائر كبيرة، ما جعله يبحث عن وسيلة لاستعادة خسائره والانطلاق بقوة في تجارته، توجه إلى أحد الدجالين لمعرفة سبب خسارته وانقطاع رزقه.بدأ مسلسل التهويل، وأخبره الدجال بأن هناك عملاً سفلياً قام به أحد منافسيه ليتعثر في تجارته، دفع ذلك عماد إلى إنفاق أموال إضافية بحثاً عن حل، من دون أن يتحسن وضعه أو تتغير الوقائع، ومع استمرار الخسائر ازدادت ديونه وتفككت علاقته الأسرية.وتكشف هذه القصص جانباً من الطريقة التي يمكن أن تتحول فيها الأزمات إلى فرصة يستغلها بعض المشعوذين لتحقيق مكاسب مالية، خاصة عندما يكون الشخص في حالة خوف أو ضغط ويبحث عن حل سريع.
في حديث “للثورة السورية” بينت المختصة الاجتماعية هلالة درويش أن اللجوء إلى المشعوذين والدجالين هو مؤشر خطير على وجود خلل هيكلي في آليات المواجهة النفسية والاجتماعية التي يمتلكها الشخص داخل المجتمع.وتوضح درويش أن الإنسان عندما يقع تحت وطأة الصدمات المتتالية والأزمات الحادة، يُصاب بالعجز، حيث يشعر بأن الأدوات التقليدية والعلمية المتاحة غير قادرة على تلبية تطلعاته في تحقيق مراده، وتضيف: المشعوذ يمارس نوعاً من الذكاء الاجتماعي، فهو لا يقدم حلولاً بل يبيع أوهاماً مصممة تناسب الحالة التي يعاني منها الشخص.وحذّرت درويش من أن آثار الشعوذة تنتقل سريعاً للأسرة عبر تفسير الخلافات والأمراض بوجود “سحر” من قريب أو جار، ما يغذي الشك والاتهامات ويؤدي لتوتر العلاقات الاجتماعية والعائلية.وشددت على أن الضرر المادي واستغلال الأشخاص يجعلهم ينفقون مبالغ متكررة، إضافة إلى خطورة تأخير مراجعة الطبيب أو المختص النفسي والابتعاد عن الوسائل المناسبة لمعالجة المشكلات الواقعية، وتشير درويش إلى أن العلاج الحقيقي يبدأ من إعادة بناء الثقة بالإنسان وبقدرته على التفكير المنطقي، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي المؤسسي الذي يحمي الأفراد من السقوط في هذه الفخاخ.
إن التعمق في معرفة الأسباب الأساسية لانتشار ظاهرة الشعوذة، يبين وجود تداخل بين الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، حيث لا يمكن فصل السلوك الفردي عن الجو العام.
هذا ما أوضحته المختصة النفسية إسراء خميس، حيث أكدت أن انخفاض مستوى الشعور بالكفاءة الذاتية، وضعف الثقة بالنفس على تغيير الواقع، والخوف من المجهول مع غياب الثقافة النفسية لمواجهة هكذا حالات، يجعل الشخص يتجه للبحث عن تفسيرات سريعة تُدخل الأمان إلى قلبه، وتُهدئ من توتره، وهذا ما يقدمه المشعوذون من كذب وآمال وهمية لا تمت للحقيقة بصلة.كما بينت دور البعد الاقتصادي الذي يعمل كمحفز مزدوج لهذه الظاهرة، فمن ناحية تسبب الضغوط المعيشية الصعبة ارتفاعاً في معدلات القلق والاضطراب النفسي لدى المواطنين، ومن ناحية ثانية يستغل المشعوذ حالة العوز والاحتياج لتقديم وعود كاذبة بالثراء السريع أو حل المشكلات المالية عبر طرق غيبية.وهكذا تتحول الشعوذة إلى تجارة مربحة تقتات على أوجاع الفرد وتستنزف ما تبقى من قوته المالي، وكل ذلك يحدث ضمن دائرة مفرغة تزيد الفقير فقراً والمريض مرضاً.
يعتبر القانون الدرع الواقي الذي يضع حداً لتجاوزات هؤلاء المدعين، الذين يستغلون حاجة الناس وضعفهم، حيث أكد المحامي أحمد الحمامي، أن القانون يتعامل مع الأفعال والوقائع القابلة للإثبات، مشيراً إلى أن ادعاء معرفة الغيب أو تحقيق نتائج خارقة يصنف ضمن الأفعال المعاقب عليها قانونياً، لاسيما عند استخدامها للاستيلاء على أموال الآخرين عن طريق الخداع.وأوضح أن المسؤولية في حالات الاحتيال ترتبط بتوفر عناصر الجريمة، الفعل المادي والقصد الجرمي، من خلال استخدام وسائل الخداع وادعاء القدرة على تحقيق الأمور أو “فك السحر” بغرض الحصول على أموال الضحية.كما أشار إلى أن المادة 754 من قانون العقوبات السوري تتناول تعاطي بعض الممارسات بقصد الربح، كالتنجيم وقراءة الكف ومناجاة الأرواح والتنويم المغناطيسي، موضحاً أن توصيف الواقعة والعقوبة يظلان مرتبطين بالتفاصيل والأفعال المثبتة أمام القضاء.وبين الحمامي الطرق القانونية للمتضررين من النصب والاحتيال أو الابتزاز عبر التوجه لقسم الشرطة وتنظيم ضبط، أو تقديم معروض للنيابة العامة لإحالته للتحقيق، مؤكداً أن الأدلة تشمل شهادة الشهود، لقطات الشاشة والمراسلات، والأدوات المسلمة من المشعوذ.وشدد على أهمية الاحتفاظ بالأدلة وعدم التخلص منها، لافتاً إلى أن الخوف من انتقام المشعوذ أو الخشية من الوصمة الاجتماعية والدينية يشكلان أبرز العوائق أمام الضحايا لتقديم الشكوى، خاصة عند وجود صور أو معلومات شخصية.كما لفت إلى أن إثبات الوقائع يمثل تحدياً بسبب حرص ممارسي هذه الأفعال على عدم ترك أدلة مباشرة، ما يجعل توثيق المراسلات وعمليات الدفع والتهديدات خطوة حاسمة عند التوجه للجهات المختصة.
ولأن القانون وحده لا يمكنه استئصال هذه الظاهرة، لا بد من تكاتف القانون مع منظومة المجتمع، وقدمت المختصة النفسية خميس بعض الطرق لمواجهة هذه الظاهرة، حيث أكدت على ضرورة تعزيز الوعي والتعلم لمواجهة هذه الحالة، من خلال نشر الوعي عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي حول خطورة السحر والشعوذة، وتفكيك المفاهيم الخاطئة التي تخلط بين العلاج النفسي والعضوي المبني على أسس علمية وبين الطقوس المشبوهة، مع التأكيد على أهمية اللجوء إلى الحلول العلمية والدينية الصحيحة للمشكلات.كما أشارت إلى ضرورة تتبع الحسابات والصفحات التي تروج لخدمات جلب الحبيب أو قراءة الطالع، وإغلاقها مع فرض رقابة على التحويلات المالية المشبوهة عبر المحافظ الإلكترونية.وبينت خميس أهمية توفير استشارات نفسية وبأسعار ميسرة، ما يغلق الباب أمام البدائل الوهمية، وذلك يجب أن يتم بالتوازي مع رفع الوصمة الاجتماعية عن المرض النفسي لتشجيع الضحايا على التوجه للطب المختص بدل اللجوء للطرق المشبوهة.وأشارت خميس لضرورة دمج مهارات المنهج العلمي والتفكير النقدي في المناهج الدراسية، لكشف أساليب الإيحاء والخداع النفسي التي يستغلها المشعوذون للسيطرة على عقول ضحاياهم.وفي النهاية، تبقى مواجهة الدجل مرتبطة بقدرة المجتمع على حماية أفراده من الاستغلال، ورفع مستوى الوعي، وتشجيع الناس على طلب المساعدة من أهل الاختصاص في الطب والقانون، خاصة عندما تتحول الأوهام إلى خسائر مالية أو خلافات أسرية أو تأخير في الحصول على العلاج المناسب.