Al-Thawra

饥饿喜剧

饥饿喜剧

من باب التجربة الشخصية؛ لدي حساب على موقع فيسبوك فيه آلاف الأصدقاء والمتابعين، وتظهر فيه هويتي بوضوح، ففيه صورتي واسمي ومعلومات عامة عن دراستي ومجالات اهتمامي، وعدد كبير من أصدقائي الحقيقيين الذين ألتقي بهم في حياتي اليومية. أكتب في دعم الثورة منذ انطلاقتها، وفي الدعوة إلى وحدة موقف السوريين واجتماع كلمتهم، ومع ذلك فلحسابي سقف من التفاعل، يرتفع أحياناً وينخفض أحياناً أخرى، كما هي حال أغلب الحسابات في مواقع التواصل عموما.

لكني اليوم أجد حسابات لا توحي أسماؤها أو صورها بشخصيات حقيقية، كما أننا لا نعرف أصحابها، ولا نعرف تاريخهم قبل التحرير، ولا نعرف أحدا من معارفهم الحقيقيين، ولا نرى لهم حضورا خارج صفحاتهم، ومع ذلك يستطيع بعضها خلال أيام أن يتحول إلى حساب واسع الانتشار.

يكتب أحد هذه الحسابات باسم شخص سلفي منشورا يشتم فيه مفتي الجمهورية أو وزير الأوقاف، فتنهال عليه مئات التعليقات للدفاع عن المفتي والوزير، ويعاد نشر كلامه، فيرتفع التفاعل على حسابه بسرعة. ثم يظهر حساب آخر باسم شخص أشعري، يشتم فيه من يسميهم النابتة أو التكفيريين الوهابيين، فتنهال عليه مئات التعليقات للدفاع عن السلفية، ويتحول الحساب خلال أيام إلى واحد من الحسابات المتداولة.

تبدو هذه الحسابات مصممة للاستفزاز والنمو السريع؛ وليس فيها معرفة علمية ولا تحليل سياسي ولا حتى فكاهة، فيكفيها أن تستفِز ثم تترك للمستفَزين بقية المهمة، فيعلقون ويسبون وينقلون الردود ويشاركون المنشور للتحذير منه ويشيرون إلى أصدقائهم وربما إلى جهات حكومية وشخصيات عامة. وهكذا يصبح المجهول مشهورا، ويتحول الحساب الذي أنشئ للتو إلى أحد صناع الترند، وأحد الموجهين للرأي.

قد لا نعرف حقيقة من يدير تلك الحسابات، لكن يحق لنا أن نسأل من المستفيد منها؟ بعد سنتين من التحرير استعادت الدولة سيطرتها على معظم الجغرافيا السورية، وتجاوزت محنا كثيرة، وبدأت مؤسسات الدولة تترسخ، والأمن ينضبط، والمدارس والجامعات تتوسع، والأمور تبشر بالتعافي، ثم نجد أنفسنا أمام حسابات مجهولة بأسماء مستعارة، فهذا يستفز السلفيين، وذلك يستفز الأشاعرة، وآخر يستفز المتصوفة، وهذا يسب المفتي، وآخر يهاجم الوزير.. وفجأة تتحول صفحة تديرها جهات مجهولة إلى منصة تحدد موضوعات النقاش العام! أليس في هذا ما يدعو إلى التأمل؟

لا يحتاج الفلول إلى أن يسلكوا طريق مقداد فتيحة حصرا، فقد تكون لديهم تكتيكات أخرى، فالجهات التي تريد الانتقام من الثورة أو إضعاف منجزها ليس من الضروري أن تظهر بوجهها الحقيقي دائما. بل قد يظهر أصحاب هذه الأجندات بأسماء تتمسح بفلان السلفي وفلان الحنبلي وفلان الصوفي وفلان الأشعري -وهم يلعنون أولئك جميعا- فيتقمص صورة سلفي متشدد، أو أشعري متعصب، أو علماني يستفز المتدينين، أو متدين يستفز العلمانيين، وقد يظهر في معركة مناطقية أو طائفية. والغاية من كل ذلك أن يشتبك الناس ببعضهم، وأن تنتشر الخصومات ويسود الاختلاف وينشغل السوريون عن واجب الوقت.

ليس المقصود نفي وجود غلاة هنا وهناك بطبيعة الحال، فلا يخلو الأمر من متعصبين حقيقيين يحملون خصومات فكرية ومذهبية ومناطقية قد يندفعون إلى الاستفزاز والدفاع والهجوم عن قناعة شخصية. كما لا يصح افتراض أن كل هذه الحسابات تدار من جهات معادية. لكن تلك الجهات تجد ضالتها في هذه الحسابات، فتنفخ فيها وتتحول كلها في وقت قصير إلى منصات واسعة الانتشار. وبذلك فوجود المتعصب الحقيقي هو الوقود الذي تتسلق عليه حسابات المجاهيل.

لقد خرج السوريون لتوهم من سنوات ثقيلة، وأمامهم مهمة تتمثل في تحويل انتصار ثورتهم إلى بناء دولة، وأمام هذه المهمة فإن من أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نستهلك جهودنا في معارك تقودنا إلى الانقسام، وأن نسمح لحسابات مجهولة بأن تحدد لنا موضوعات الحوار العام، وتجرنا إلى معارك واصطفافات لن ينتج عنها إلا إضاعة مكتسب التحرير.

وللأسف، فإن لهذا النمط من الحسابات قدرة كبيرة على وضع آلاف الأشخاص في حالة استنفار، وتحويل قضية لم تكن تعني شيئا قبل ساعات إلى معركة يتصدرها الجميع. ولذلك فإذا وجدت حسابا يشتم السلفيين؛ فلا تكن الأداة التي تمنحه آلاف المشاهدات. وإذا وجدت حسابا يشتم الأشاعرة؛ فلا تجعل غضبك منه سببا في زيادة انتشاره. فمن يحرك مثل هذه القضايا يريد أن يدخلنا في معركة هو الذي حدد موضوعها.

دعونا لا نمنح المجاهيل مفاتيح الشأن العام، ولا نسمح لخصوم الثورة بأن يجعلوا أبناءها يأكل بعضهم بعضا. فليس كل خلاف يستحق معركة، وليس كل مستفز يستحق ردا، وليس كل حساب يستحق أن نكون من جمهوره. فمن حق السوريين أن يختاروا بأنفسهم قضاياهم الكبرى، وأن يوجهوا طاقاتهم إلى بناء دولتهم ومجتمعهم، لا أن تتحكم بهم حسابات مجهولة، أو حتى حسابات حقيقية يستثمر أصحابها في الغلو.