Al-Thawra

警官,你的新小说的标题是什么?

警官,你的新小说的标题是什么?

ريبدو أن الجغرافيا السورية كُتبت بعقد إيجار قديم لا فكاك منه: كلما أوشكنا على بناء دولة محترمة يشبه فيها المواطنُ بقيةَ خلق الله، نبت لنا من تحت الأرض فاعلُ خيرٍ، يقبض على تلابيبنا ليعيدنا إلى المربع صفر.

فحين رحل العثمانيون وغادروا بعد أربعة قرون، تنفسنا الصعداء وقلنا: أهلاً بالحداثة. وحين فتحنا الباب، أطل ضابط فرنسي أشقر يركب دبابة ويحمل مسطرة؛ قسّم بها بلادنا إلى دول ووزع بعض أراضيها كهدايا للجيران، وأسس لنا بعض الطرقات والمؤسسات ونظاماً إدارياً وقضائياً، ثم قصفنا وقصف برلماننا بالطائرات ورمى لنا المفاتيح وانسحب بنبلٍ أوروبي خالص.

وجاء الاستقلال كفرصة ذهبية حين وقفت النخبة بطرابيشها وبرجوازيتها الهادئة، تؤسس لصناعة وتجارة ولدولة مدنية حسدتنا عليها المنطقة، لكن هذا الرقي لم يكن ليرفع منسوب الأدرينالين العربي المحب للضجيج والعنتريات، فجاء صوت العراضة الذي يرفع الأدرينالين إلى أقصاه: هنا صوت العرب من القاااااهرة، وبدلاً من أن تكون هذه الوحدة بين أم الدنيا وابنة الدنيا المغناج فرصة للتكامل وبناء دولة قوية وحديثة، أتحفنا البكباشي بمراسيم التأميم ليعلّم البرجوازيين الأدب، ويقطع دابر كل من يجرؤ على تشغيل معمل أو حيازة أرض؛ فهؤلاء -كما قال الراديو- رجسٌ برجوازي يعوق الزحف الثوري.

انتهت سكرة الوحدة تاركةً قطار التحديث خارج سكته، أتحفنا رفاق البعث بكرنفال الانقلابات الصباحية؛ البيان رقم واحد، ثم البيان رقم اثنين، في لعبة كراسي موسيقية انتهت بجلوس “القائد الأبدي” على كل الكراسي والكنبايات وطاولات الزهر في الوطن! ودخلنا رسمياً عصر “الجمود” والتصدي، وارتداء الكاكي من الحضانة وحتى القبر. تحولت البلاد إلى سجن يشرف عليه العسكر ومخابرات وزوار الفجر، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة. وبالفعل، أكلنا في كل المعارك هزائم نكراء، لكننا فزنا بمعركة الصمت المطلق.

ومات القائد الخالد مخلداً وراءه كل أسباب الشلل، وجاءنا الوريث الشاب: عيون زرقاء، ولغة إنجليزية طازجة، ومصطلحات فزلكية عن التطوير والتحديث والإنترنت. فرك السوريون أيديهم فرحاً: «أخيراً إجانا دكتور دارس ببلاد برّا بيفهم بالسوفت وير!». وما هي إلا سنوات قلائل حتى اكتشف الشعب أن “شهاب الدين توووووووووت من أبيه”، إذ لم يكتفِ بإلغاء السياسة، بل ألغى الجغرافيا بالبراميل المتفجرة، وهجّر نصف الشعب، وحوّل أنقاض الوطن إلى أكبر معمل لإنتاج الكبتاغون ومول مفتوح للميليشيات العابرة للقارات.

اليوم، وبعد أن أُسدل الستار على فصول مسرحية ‘شهاب الدين وأبيه’ والتي عُرضت قسراً لقرون، يفتح لنا التاريخ نافذة خامسة كرمى للخبز والملح والمكدوس، وكأن هذا التاريخ قرر التكفير عن خطاياه بحقنا، فهو لم يسبق أن منح أي أمة من الأمم خمس فرص بمئة عام. غير أن العادات القديمة تأبى الرحيل؛ فالبعض لم يرَ في قيامة الدولة سوى وليمة مؤجلة لاقتسام المغانم، وأي حديث عن التخطيط وبناء المؤسسات يُقابل بابتسامة استخفاف لا ترى في الشهادات والكفاءات سوى ترفٍ لمن تأخروا عن الركب!

ولأننا تجار مهرة في سوق النكسات، لم نغيّر البضاعة، بل اكتفينا بتبديل لاصق السعر؛ شطب البعض عبارة ‘الولاء الحزبي’ منتهية الصلاحية، ووضع مكانها ختماً عريضاً: ‘معفى من الكفاءة’. ليعود المواطن السوري إلى دورته الأبدية في الساقية: ينتظر مخلّصاً إثر مخلّص، ليكتشف بعد قرنٍ كامل من الحسابات الخاسرة، أنه خرج من قبو الاستبداد ليدخل إلى صالة كبار الزوار؛ وقد طُبعت له واجهة جديدة، وحُذف منه صِفران كحال عملته الجديدة تماما، وما زال رغم ذلك يرى بصيصاً من النور ويتمسك به، لعل التجربة الخامسة تختلف بنتيجتها عن التجارب السابقة.