في رصد مكثف لأسرار اللفظ القرآني وبنائه البياني يتناول أحدث إصدارات الدكتور محمد محمود كالو “حين يتحدث الحرف القرآني” قراءة تدبرية مبتكرة لعدد من مواضع التعبير القرآني، متجاوزاً المعاني المباشرة إلى استنطاق الفروق الدلالية الدقيقة بين الألفاظ المتقاربة وما تكتنزه من أبعاد تربوية وتشريعية.
ويحاول الكتاب الانتقال بالقارئ من التلقي المباشر للآية إلى تأمل بنائها اللغوي والبياني، متتبعاً أسرار اختيار اللفظ القرآني، وما يمكن أن يكشفه السياق من دلالات لغوية وتشريعية وتربوية.
يتوقف المؤلف عند عدد من النماذج القرآنية، مستجلياً الفروق بين ألفاظ قد تبدو متقاربة في ظاهرها، ومن ذلك وقوفه عند قوله تعالى: “ذهب الله بنورهم” في سورة البقرة، وما يرتبط بالفرق بين النور والضوء، إضافة إلى التمييز بين “أكملت” و”أتممت” في سياق آية إكمال الدين وإتمام النعمة.
كما يبحث الكتاب في اختيار لفظ “أولادكم” في آيات المواريث، وفي دلالات التعبير بـ “وجهك” في سياق تحويل القبلة، و”ولا تقربا” في قصة آدم عليه السلام، إلى جانب الفروق بين “النصيب” و”الكفل”، وبين “الخلق” و”الفعل” في سياقات قرآنية مختلفة.ولا يقف هذا الاشتغال عند حدود المفردة منفردة، بل يربطها بسياقها القرآني، وبما تتيحه علوم اللغة والتفسير وأصول الفقه من أدوات لفهم العلاقة بين اللفظ والمعنى.
يعتمد الكتاب منهجاً تحليلياً تأصيلياً، يستفيد من علوم اللغة والتفسير والقواعد البيانية والأصولية، بهدف الكشف عن الدلالة التي يكتسبها اللفظ من موقعه في السياق القرآني.
ويتحرك المؤلف بين التحليل اللغوي والتأمل التدبري، محاولاً تقديم المادة بصورة تتيح للمتلقي الاقتراب من النص القرآني، من خلال أسئلة تتصل بسبب اختيار كلمة دون أخرى، والفروق التي يمكن أن تنشأ عن استبدال لفظ بآخر، وأثر ذلك في المعنى.
في كلمته التعريفية بالكتاب، يوضح الدكتور محمد محمود كالو أن العمل ثمرة جولات تدبرية عميقة في روض البيان القرآني، وأن غايته لا تقتصر على الوقوف عند المعنى الظاهر، وإنما محاولة استجلاء سر اختيار الكلمة القرآنية والتفاعل بين دلالات اللغة العربية ووجوه البيان في النص الكريم.
ويشير كالو إلى أن الكتاب يسعى إلى نقل القارئ من غفلة المألوف إلى دهشة المعنى، عبر وقفات عند مفردات وتراكيب قرآنية تفتح مجالاً للتأمل في دقة الخطاب القرآني.
يشار إلى أن كتاب “حين يتحدث الحرف القرآني”، صدر حديثاً عن دار المجد للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق ويقع في 265 صفحة، من القطع الكبير.
الدكتور محمد محمود كالو باحث وأكاديمي في التفسير وعلوم القرآن، وله مؤلفات وبحوث في الدراسات القرآنية واللغوية، من بينها “إبحار في أسرار سورة القدر” و”الحواس الخمس في ضوء القرآن الكريم” و”دلالات الألوان في آيات القرآن”.