في إطار مسار تفكيك تركة القضاء الاستثنائي الذي كرسه النظام البائد لقمع الشعب، تتجه الحكومة نحو طي صفحة واحدة من أكثر الملفات القضائية إثارة للجدل، بعد إقرار مجلس الشعب إلغاء محكمة الإرهاب وإبطال مفاعيل أحكامها وقراراتها.
الخطوة التي وصفتها وزارة العدل بأنها مفصلية في مسار إزالة آثار المحاكم الاستثنائية، لا تقتصر على إلغاء محكمة بحد ذاتها، بل تفتح الباب أمام معالجة عشرات آلاف القضايا والتدابير التي مست حياة السوريين لسنوات، من منع السفر وتجميد الأموال والحجز الاحتياطي، وصولاً إلى إعادة الاعتبار وجبر الضرر.
وفي بيان رسمي صدر الأحد 20 أيلول كشفت وزارة العدل عن حصيلة عمل اللجان القضائية المتخصصة المشكلة منذ 17 نيسان 2025 وما أنجزته حتى اليوم على صعيد رفع التدابير ومعالجة الطلبات، مؤكدة أن المسار مستمر ليشمل كل الأحكام الاستثنائية الصادرة عن المحاكم الميدانية والعسكرية والأحكام العرفية والغيابية.
وبشأن مصير الدعاوى المتبقية التي لم تُرفع عنها التدابير الاستثنائية حتى الآن، أكدت الوزارة في تصريحات لموقع الإخبارية أن الصعوبة الأساسية التي تحول دون إصدار إجراء شامل دفعة واحدة لإلغاء مفاعيل أحكام محكمة الإرهاب تكمن في تنوع وتعقيد الإجراءات نفسها.
وأوضحت أن المواطن قد يذهب لإجراء معاملة بسيطة كبيع سيارته ليُفاجأ بوجود حجوزات لصالح جهة معينة لا تحمل سوى وصف “حجز عام” دون تفاصيل واضحة عن الجهة المستفيدة أو طبيعة الإجراء.
وأضافت “وعليه، فإن خصوصية كل حالة على حدة، وتحديد الجهات الموجهة إليها الكتب، وما تم حجزه تحديداً، يفرض ضرورة دراسة الأضابير بدقة متناهية، يضاف إلى ذلك أن بعض الأضابير وإن كانت قليلة تتضمن مدّعين شخصيين أو تشوبها وقائع ترتبط بجرائم جنائية خاصة، مما يستدعي معالجات دقيقة وخاصة لضمان عدم ضياع الحقوق وصون العدالة”.
وأشارت إلى أن الجدول الزمني للانتهاء من دراسة الملفات المتبقية واتخاذ القرارات بشأنها سيكون خلال الأسابيع القادمة.
وحول ما إذا كان إقرار مجلس الشعب إبطال مفاعيل أحكام محكمة الإرهاب يعني إعادة الحقوق العقارية والمالية المصادرة بالكامل، أكدت أن الهدف هو إزالة جميع الآثار القانونية والمالية المترتبة عليها.
وقالت الوزارة: “نظراً لوجود قيود وحجوزات عامة ومصادرات متنوعة تختلف تفاصيلها من ملف لآخر، فإن اللجان المختصة تعكف على دراسة كل إضبارة على حدة لفك تلك الحجوزات وإعادة الأمور إلى نصابها القانوني، مع الأخذ بعين الاعتبار معالجة الحقوق الخاصة المرتبطة ببعض الملفات كوجود مدّعين شخصيين لضمان إعادة الحقوق لأصحابها بالطرق القانونية السليمة”.
وبشأن الأحكام التي نُفذت فعلياً وصدر فيها سجن أو إعدام وكيفية رد الاعتبار، أوضحت الوزارة أن هذا الملف سيتم لحظه وتضمينه ضمن قانون العدالة الانتقالية.
وأضافت “سيتم إحداث هيئات متخصصة يلجأ إليها الشخص المعني لتحصيل حقوقه كاملة، إضافة إلى إنشاء صندوق للتعويض مخصص للأشخاص الذين تضرروا سواء من تلك الأحكام أم الأعمال التعسفية”.
وبينت الوزارة أن تعدد المنظومات القضائية والأمنية في عهد النظام البائد وعدم ترابطها يحول دون وجود إحصائية دقيقة للمطلوبين، مشيرة إلى أن منظومة القضاء العسكري المستقلة عن منظومة وزارة العدل تختلف بدورها عن منظومة إدارة الهجرة أو المنظومات التابعة للفروع الأمنية.
وتابعت “نتيجة لتعدد هذه المنظومات وعدم ترابطها، تقدّر الأعداد الإجمالية للمطلوبين بمختلف هذه المنظومات بحوالي 8 ملايين و300 ألف شخص”.
وكان مجلس الشعب أقر بالإجماع في 16 أيلول الجاري مشروع قانون إلغاء محكمة الإرهاب وإبطال مفاعيلها، وذلك خلال جلسته الثالثة من الدورة الاستثنائية الأولى.
وأكدت وزارة العدل عقب إقرار المشروع أن إلغاء محكمة الإرهاب ومفاعيل أحكامها وقراراتها لا يمثل إجراء منفرداً، وإنما يأتي في سياق مسار متكامل لإزالة آثار المرحلة الاستثنائية، وإعادة الاعتبار للعدالة وسيادة القانون، وصون حقوق المواطنين.
ولفتت إلى أن مسار إزالة الآثار القانونية لا يقتصر على إلغاء مفاعيل أحكام محكمة الإرهاب، بل يشمل مختلف الأحكام الاستثنائية الصادرة عن المحاكم الميدانية والعسكرية، والأحكام العرفية والغيابية وغيرها من الإجراءات الاستثنائية، إلى جانب إطلاق مسار لمحاسبة المتورطين في هذه المحاكمات واستقبال دعاوى المتضررين ومعالجتها وفق الأصول القانونية.
وشددت على استمرارها في استكمال هذه الإجراءات وفق الأطر القانونية، بما يكرس سلامة ومشروعية الإجراءات التي اتخذتها السلطة القضائية لمعالجة الآثار الناجمة عن أعمال المحاكم الاستثنائية، ويضمن استمرار العمل على رد الحقوق، حتى صدور القانون بصورة رسمية ونفاذه أصولاً، بما يستكمل الإطار التشريعي لإلغاء المحكمة وإبطال مفاعيل كل ما صدر عنها من إجراءات جائرة.